الاثنين، 9 نوفمبر 2009

الصمت

ماذا تفعل إذا كان لديك إنسان عـــزيز علـــيك، تــقضي مــعظم أوقـــاتك مــعه، وهو الإنسان الـــذي تشـــكو لـــه هـــمومك وتـــسعدك ابتـــسامته الرقيقة، يـــهتــم بــك، ولا يـــقدر عــلى فراقـــك..وحـــالك لايــصبح أفضـــل إلا بـلقــياه، و ســماع صــوته كـــل يــوم.
وبــين يوم وليـــله انقــلب حــاله، وتــغيرت تصـــرفاته، وكــأنــه لـــم تــكن بيــنكم عــلاقة وطيــدة تـــجمعكما... فماذا تفعل...؟؟؟
ماذا تفعل... ؟؟؟ لو كان الصمت طبعك عند الحزن والغضب.. ؟؟
لقد قيل الكثير عن الصمت......والكثير منا يعانون من الصمت...ولكن ....!
ماذا تفعل ...؟؟؟ عندما يسيء إليك عزيز لديك بكلمة أو تصرف، فيتملكك الصمت وتتجمد الحروف على شفتيك وتــتـحجر الدموع في عينيك .

ماذا تفعل ... ؟؟ إذا تجاهل هذا الشخص ألمك ، وتناسى إساءته. وتابع حياته معك وكأن شيئا لم يكن.. والصمت طبعك.... والألم بداخلك يقتلك.

ماذا تفعل ... ؟؟ إذا تجاهلك من هو عزيز لديك والتفت إلى أولويات واهتمامات أخرى وابتعد عنك .. وأنت تركض خلفه تريد احتضانه ويستمر باهتماماته الأخرى .. فتتركه وتبقى مع ذكرياتك .... يعود إليك لائما ً معاتبا ً متهما ً إياك بالبرود والابتعاد عنه .... وأنت بصمتك لاتستطيع أن تقول له أنك المخطئ وترد على اتهاماته ...وتبقى مع ألمك الداخلي لاتستطيع حتى أن ترتشف قطرة الماء تشعر أن كل شيء فيك قد تجمد ..

ماذا تفعل ...؟؟؟ إذا تعلقت بإنسان وشعرت أنك بوجوده معك قد ملكت العالم بيديك..واختفى من حياتك، وهو يعرف إنه بتصرفه سيقتلك قلقا ً وخوفا ً عليه ويتركك تنهار ...وتنهار ... وتتحطم... ويعود إليك معاتبا متسائلا لماذا تغيرت...؟؟ وأنت تقف حائراً وتشعر أن جميع حروف الهجاء قد اختفت من ذاكرتك..... فالصمت طبعك...

ماذا تفعل ...؟؟؟ عندما ينظر إليك الناس على إنك متكبر متعالي عليهم ... ولكن حقيقتك ونقطة ضعفك أنك تخاف الاختلاط بهم خوفا ً من أية إساءة مقصودة أو غير مقصودة تقف أمامها عاجزا ً عن الرد ...

ماذا تفعل ...؟؟؟ عندما تهرب بصمتك ممن أساء إليك لتبكي بمفردك وتبكي... وتبكي... وتبكي...
وعليك أن تظهر أمام الناس بأنك سعيد وقوي.. مرح متفائلا...

ماذا تفعل ...؟؟؟ عندما تشعر بأن قلبك أصبح أضعف من أن يحتمل المزيد من الألم ممن حولك... وأنت لاتعرف أن تتكلم عند الحزن والغضب ...! ولا تعرف أن تلوم أو تعاتب...

ماذا تفعل ...؟؟؟ عندما يحضنك أرق إنسان وأحن قلب عليك " أمك" وتبحث في عينيك عن أسباب حزنك ... فأنت عاجز عن النطق وخائف من أن تكتشف بحدسها أسباب حزنك .... وأنت حريص على ألا تسيء أمام الناس لمن كان سبب آلامك ...

ماذا تفعل ...؟؟؟ هل شعُرت يوما بهذا ؟؟؟ هل أحسست بألم الصمت ؟؟؟
عند صمتكم بهذه الحالات لن تستطيعوا الكلام ولا الشراب أو الأكل، وقد تستمرون لساعات أو أيام حسب الإساءة .. يتبعها ألم قاتل بالمعدة وتشنج ومضاعفات ذلك قد يستمر لأشهر أو أكثر. فماذا ستفعل ...؟؟؟
إذا كنتم لا تستطيعون التغلب على نقطة ضعفكم التي هي صمتكم عندما يساء إليكم ؟؟؟

أذكركم بهذا القول : قال عمرو بن العاص
المرء حيث يضع نفسه ، فإذا أعزها علا أمرها، وإذا أذلها ذل وهان قدره.

ومن أقوال الإمام علي بن أبي طالب .. رضي الله عنه وكرم الله وجهه:
كن على حذر في الدنيا:
من الكريم إذا أهنته
ومن اللئيم إذا أكرمته
ومن العاقل إذا أحرجته
ومن الأحمق إذا مازحته
ومن الفاجر إذا عاشرته
ومن الخائن إذا أمنته

وتذكر قول الإمام الشافعي:
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً **** فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ*وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ **** وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً **** فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلهُ **** ويلقاهُ من بعدِ المودَّة ِ بالجفا
وَيُنْكِرُ عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ ***** وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
سَلامٌ عَلَى الدُّنْيَا إذا لَمْ يَكُنْ بِهَا ** صديق صدوق صادق الوعد منصفا

السبت، 24 أكتوبر 2009

ظالم أم مظلوم

يا الله إن الابن له أب يشكو إليه.. وللجند قائدا يرفعون أمرهم إليه .. وللناس أميرا يقضي حوائجهم ..
وأنا أمتك الفقيرة بين يديك.. مالي سواك .. مالي سواك .. مالي سواك يا رب العالمين،
فررت إليك من قسوة خلقك، حسبي الله ونعم الوكيل، يا مجيد يا مجيد يا مجيد ... يا فعال لما يريد، يا قوي يا شديد، يا عزيز يا رشيد، يا ذا البطش الشديد، يا من يبدأ الخلق ثم يعيد، يا عزيز ذو انتقام، يا منتقم يا جبار، يا مكور الليل على النهار، يا قهار يا قهار يا قهار، يا مجير يا نعم المولى يا نعم النصير يا نعم المجيب، يا صادق الوعد يا عظيم الوعيـد، يا الله...يا الله...يا الله يارب العالمين ربي...ربي...ربي... ربي أني مغلوب فانتصر
ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سُبحانك إني كنت من الظالمين
اللهم عليك بكل من تقووا علي بقوتهم على ضعفي اللهم فأرنا قدرتك فيهم يا رب العالمين
***
لا أعلم كيف يهنأ الظالم بنومه ... كيف تلذ له الحياة وهو يعلم بأن هناك من يدعو عليه ليلا ونهارا حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

فلقد قسم الله عز وجل بعزته وبجلاله سبحانه على نصر دعوة المظلوم فقال: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين
وقال تعالى ( وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) [ إبراهيم 42 ]
وقال سبحانه وتعالى ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) [غافر 18 ]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( إتق دعوة المظلوم ولو فاجرا ) .. وفي رواية ( ولو كافرا)

فلتخشوا يا عباد الله دعوة مظلوم تسري في ثلث الليل الآخر ...
اللهم إجعلني مظلوما وأعوذ بك أن أكون ظالما.

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً *** فالظلم آخره يفضي إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبهاً *** يدعو عليك وعين الله لم تنم

ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب فإنه مهما كان ذليلاً ضعيفاً أو مهاناً وضيعاً فإن الله ناصره على من ظلمه ومؤيده على من اعتدى عليه فالله تبارك وتعالى يرفع دعوة المظلوم إليه فوق الغمام ويقول لها ( وعزتي وجلالي ، لأنصرنك ولو بعد حين ) فالمظلوم لا ترد دعوته.

أيها المظلوم صبراً لا تهن *** إن عين الله يقظى لا تنام
نم قرير العين واهنأ خاطراً *** فعدل الله دائم بين الأنام
وإن أمهل الله يوماً ظالماً *** فإن أخذه شديد ذي انتقام

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

قرأت في كتابي

في لحظة جميلة كنت فيها مع صديقي الوحيد...كتابي، قرأت جملة رائعة قالها " ميلتون " وهي : (( أن لاشيء يمنحك الطمأنينة سوى نفسك ))

أي أن نفسي هي من تمنحني الطمأنينة .. وليس الطمأنينة في عملٍ أو مالاً أو جاها أو حتى صحبة...أي أن نفسي أينما كانت هي من تستطيع إسعادي ....

وهنا سأروي عليكم قولان لشخصان : " نابليون - وايلين كيلر" وهما مثالين رائعين لعبارة ميلتون السابق ذكرها إذ كان "نابليون" يملك كل مايصبو إليه إنسان – جاه وسلطة ومال – ومع ذلك في جزيرة "سانت هيلينا" قال: (( لم أعرف ستة أيام سعيدة في حياتي )).

بينما " إيلين كلير " .... العمياء والصماء والبكماء، قالت: (( أجد الحياة جميلة جدا )).

ما الفرق ؟ ولماذا إختلف الرأي؟الإجابة لأن أحدهما رأي شروق الشمس و الآخر رأي الغروب.
إذن... صحيح أن نفسي هي من تستطيع إسعادي...
ولأن معظم الناس يشعرون بالسعادة عندما يقررون ذلك...
وها أنا ذا قررت أن أصبح سعيدة وجمعت عُدتي لرحلة السعادة …

سأكون سعيدة... بالإيمان بالله وبقضاءه، خيره وشره.
سأكون سعيدة... بالتوكل عليه حق توكل.

وهذا ما يحتاجه الفرد ليكون سعيد.. أليس كذلك.
هيا بنا لنبدأ الرحلة... لنريح نفوسنا من هم هذه الدنيا.

وقبل أن تتراجع تذكر قول الحسن البصري عندما سُئل عن زهده في الدنيا فقال:

علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فأطمئن قلبي له.
وعلمت أن عملي لن يقوم به غيري فأشتغلت به.
وعلمت أن الله مطلع علي فاستحييت أن الاقيه على معصيه.
وعلمت ان الموت ينتظرني فاعددت الزاد للقاء الله .

هيا بنا، فلنبدأ...

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

نحتاج الي هزة أرضية

عندما ننظر إلى خارطة العالم، ونرى القارات مستقرة لتشكل جزيرة عالمية تحيط بها المياه من كل جانب، ندرك عظم الدور الذي تتطلبه التحولات الكبرى.
فالأرض لم تكن مجزأة بهذا الشكل، ولولا الرجات والزلازل والتصدعات لظلت الأرض كتلة واحدة، ولما رأينا هذه الخارطة التي نعرفها اليوم.

وتحتاج التحولات الحضارية بدورها زلازل تعيد تشكيل وجه الحضارة الإنسانية، لترسم عليه أرقى الألوان وأبهجها، وتمنحه قسمات الأمل والإصرار.

وحينما تتعاظم التحديات التي تواجهها الأمم والمجتمعات، وتتطلع تلك المجتمعات إلى الانطلاق نحو المستقبل يصبح زلزال العقول حتمي الحدوث، حيث يعاد تشكيل العقل بشكل جديد، ويتغير تعريف الممكن والمستحيل، وتراجع المسلمات وأنماط التفكير السابقة التي تولدت في ظلها هذه التحديات.

هذا الزلزال هو الذي يجدد حيوية العقل، ويعيد فرز الأفكار، ويبدع بناء الجسر الذي يعبر بالمجتمعات إلى المستقبل.

ومن ثم فإن مستقبل البشرية مرهون بقدرة مؤسساتها ومجتمعاتها الحالية على الاستجابة والتفاعل مع زلزال العقول.

فهل من هزة أرضية قريبة!!!....

وتذكر يا أخي بعض الأقوال المأثورة مثل:

· لا يكفي أن نعمل ما نستطيع، بل علينا عمل ما هو مطلوب (تشرشل)
· أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل (روبرت شولر)
· المعرفة قوة (أوجست كونت)
· إن الصراع هو محل ولادة الإبداع الأكبر (روبرت شولر)
· كن التغيير الذي تود رؤيته في العالم (غاندي)
· في البداية يتجاهلونك.. ثم يسخرون منك.. ثم يحاربونك.. ثم تنتصر (غاندي)


الأحد، 30 أغسطس 2009

أنظر أمامك وتعلم من الماضي

· تكلم عن حاضرك.. وإبتعد عن شوائب ومنغصات ماضيك، وذكر نفسك بالنعم التي وهبك الله إياها.. لتسعد وتبدع في مستقبلك الواعد الجديد.

· تعلـّم أن لا تشتكي إلى أحد غير الله.. فكما يقولون: الناس نوعان.. صديق تسوؤه، وعدو تسره، فاستغني عنهم.. وتقرب إلى ربك وتذكر قوله:- جل وعلى- :
(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو).

· تأكد بأن الحب الحقيقي هو (التضحية) في كل المواقف، والإيثار.. والإخلاص.. والتخلي عن أنانية النفس، فلا هجرٌ.. ولا جفاء، بل حسن معاشرة وعطاء.. وتواصل بسخاء.
إذ يقول الشاعر: ولا خير في وصلٍ إذا لم يكن له ** على طول مر الحادثات بقاء.

· تأمل أسلوب حياتك وطريقة عيشك، وابتعد قليلا عن زوبعة الاختلاط وضوضاء الكلام، وبتفكر عميق اجتهد في حل العديد من الألغاز التي وجدت في صفحات حياتك، واسمح لنفسك بمراجعة الأمور.. ومعالجتها من الجذور، كي تتخطى العثرات القادمة بروح متفائلة.. وبجدية صارمة.

· تجمل لنفسك وتطيب لأهل بيتك، كما تفعل ذلك لكل من في الخارج، وأجعل حياءك مصدر بهاءك، وتذكر القول الحكيم: (الحياء سبب كل جميل).

· تنازل عن كبريائك وسامح من اعتذر، وإن كنت المخطىء في حقه.. فاعتذر، ولا تنسى حديث لقمان لإبنه: (يطفىء الخير.. الشر، كما تطفىء الماء النار).

· تأقلم مع واقعك.. واقنع برزقك، وارضى بما قسمه الله لك، ولا تمد يديك حاجة للناس، وتذكر قول الإمام الشافعي: إن ربا كفاك بالأمس ما كان سيكفيك في غد ما يكون

· تفنن في اسعاد من حولك، ومد لهم يد العون مادام الله في عونك، وتذكر حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم - : (من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه )

· تجرأ وصرّح بحبك لكل من أحببتهم، سواءً كانوا والديك.. إخوانك.. شريك حياتك أو حتى أقربائك وأصدقائك… فإن خشيت من البوح لهم و لم تصارحهم اليوم… فقد تفقدهم يوماً… وتندم على كتمانك لحبهم ما حييت من أيام.

الجمعة، 17 يوليو 2009

علامات الربانيين‏

« علامات الربانيين‏ »

كم ينشرح صدرك حين تلقى قوة المؤمن وصلابته وعزيمته وجديته... مشفوعة بسكينة ورقة وصفاء!! وهو ما يتمثل في شخصية المسلم بخلق الربانية.
وُصف الربانيون في القرآن بأوصاف عديدة تتكامل بها صفاتهم. فقد وصفوا بالثبات في الجهاد والصبر على البلاء: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

والربيون بمعنى الجماعات الكثيرة من العباد والعلماء والربانيين ـ جميعا بين التفاسير.
ومن علامات الربانيين أنهم يحرصون على تحكيم الشريعة وإقامة الدين:
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ)(المائدة: من الآية44).

وفي موضع آخر وصفهم الله بأنهم المرشحون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
( لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (المائدة:63).

وجعل الله الأمر بالاتصاف بالربانية على لسان من يؤتيهم الله الحكم والنبوة وجعل الله ميزة الربانيين في قيامهم بتعليم كتاب ربهم وحرصهم على الاستمرار في التعلّم :
( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79).

فالرباني يبني نفسه ويبني غيره، يعمل بما علم ويعلّم ما تعلم.
وقد حوت كتب التفسير والسنة كثيرا من الصفات المميزة للرجل الرباني، ففي صحيح البخاري وعند ترجمة ( باب العلم قبل القول والعمل): (قال ابن عباس رضي الله عنه: كونوا ربانيين: حلماء فقهاء، ويقال : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره).
يقول ابن حجر رحمه الله: (والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده...).

فالرباني صاحب حكمة وصاحب فقه، ومن حكمته أنه يتدرج بالمدعوين وييسر عليهم على علم وبصيرة وحسن عمل.

ينقل ابن حجر عن ابن الأعرابي قوله: " لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالما معلما عاملا".وأساس الربانية الإخلاص في ابتغاء رضى الرب ـ عز وجل ـ قال الأصمعي والإسماعيلي: ( الرباني نسبة إلى الرب، أي الذي يقصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل)، وقيل إنه منسوب إلى التربية، والتربية أبرز ما في حال الرباني.

وقد روي عن علي رضي الله عنه في وصف الربانيين قوله:" هم الذين يغذون الناس بالحكمة ويربونهم عليها" كما قيل إنه مشتق من قولهم: ربَّه يَربُّه فهو ربّان إذا دبّره وأصلحه." فمعناه على هذا: يدبرون أمور الناس ويصلحونها".

وفي تفسير ابن مسعود لقوله تعالى: ".. ولكن كونوا ربانيين..." قال: حكماء علماء.

ويقول ابن جبير: حكماء أتقياء.ومن اللفتات الطريفة في وصف الرباني أنه الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة" وهي إشارة طريفة تنفي التصور المتفشي لدى بعض من قصرت أفهامهم عن العالم الرباني بأنه بعيد عن عصره، غافل عن قضايا وهموم أمته.

وقد أكد هذه الميزة في الرباني أبو عبيدة بقوله:" سمعت عالما يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون".فهو مدرك لتاريخ الأمة مبصر لسنن الله في خلقه بصرا يتيح له أن يتوقع ما يكون حين تتوفر أسباب مضاء السنة الكونية والاجتماعية.

ويتميز ( الرباني) بأنه الكامل في العلم و العمل، الشديد التمسك بطاعة الله عز وجل ودينه" أما حين يغفل العلماء عن مجتمعاتهم أو يسكتون عما يجري فيها ويتساهلون فتلك ظاهرة الفناء كما يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار..."
يقول:" فهذه السمة ـ سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان ـ هي سمة المجتمعات التي فسدت وآذنت بالانهيار".
إن من أعظم سمات الربانيين أنهم لا يبيعون دينهم بدنياهم ، وأنهم لا يساومون ولا يتنازلون عن حق اعتقدوه ، بل يدعون إليه ويصبرون عليه ، وإن كلفهم ذلك بذل الأرواح وتقديم المهج في سبيل الحق الذي يدينون به ويدعون إليه.

وكيف لا يكونون كذلك وقد خالطت حلاوة الإيمان بشاشة قلوبهم فتطلعوا إلى ما عند الله من الدرجات العلا والنعيم المقيم ، وهم كذلك امتداد للصالحين الربانيين على مدار التاريخ الذين صبروا على الأذى فرفع الله قدرهم وأعلى في العالمين ذكرهم.ألم تر إلى سحرة فرعون حين رأوا أن ما جاء به موسى هو الحق فانقادوا له فلما هددهم فرعون بالعذاب والصلب وتقطيع الأجساد والموت:

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى . وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) (طـه:72ـ75).

فلا مجاهد بلا ربانية، ولا ربانية بغير علم وعمل وحكمة وإخلاص وصبر وتربية وبصيرة... والذين يتبؤون مراكز التوجيه ويتصدرون ساحات الجهاد لا بد أن يأخذوا أنفسهم بالعزيمة ليحسنوا أداء دورهم " القدوة" وليستحقوا من الله تبوأ " العليين" و " مقعد صدق" في الدار الآخرة، ولينالوا وسام (الربانية) بما يتعلمونه ويعلّمونه.

الثلاثاء، 12 مايو 2009

اقْرَأْ

بسم الله الرحمن الرحيم: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5}"
قبل أن يقول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ملك مرسل من رب العالمين، وأنه - أي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم - رسول الله، وإن هذا هو القرآن..
وقبل أن يقول له إن هذا الدين الجديد هو الإسلام...قبل هذا كله قال له وبصيغة الأمر"اقرأ.
ومع أن العلم غاية القراءة.. إلا أن الله عزَّ وجل لم يبدأ القرآن بكلمة: "تعلم". ولكن حدد: اقرأ..
هيا بنا نقرأ... لنتعلم كيف نتعلم، لنحارب الجهل بالعلم، معاً نصنع حياة راقية متحضرة، نفيد بها أنفسنا وحضارتنا، ونكون نعم المثل الحي لحضاراتنا العربية.
هيا بنا إلي الأمام .... إلي العلم .... يا سادة العلم